|
|
الارث الدستوري للعراق |
|
اشراف مؤسسة المحقق للثقافة والارشاد
يتميز العراق الحديث كونه خرج من عهد الإمبراطورية العربية إلى العثمانية إلى البريطانية ، وليس لأي منها دستور بالمفهوم المتعارف عليه اليوم. فالإمبراطورية العربية والعثمانية حكمت بموجب سلطة الخليفة المستمدة من الشريعة أما الإمبراطورية البريطانية فإنها لم تكتسب دستورا حيث أن التطور الطبيعي البعيد عن الثورات والغزو الإجنبي سمح للدولة أن تقوم وتكون مؤسساتها وأن تقيم علاقاتها بموجب التقاليد والأعراف التي اقرتها الناس ضمن الظروف التي نشأت فيها أو ألزمت بها.
والعراق ، رغم كونه من أوائل الدول التي شهدت تشريعا في تأريخ البشرية الحديث والمدون ، إلاأن أول تشريع دستوري بالمعنى الحديث خضع له العراق كان القانون الأساس العثماني لعام 1876 والذي وضع للحد من الحكم الإستبدادي للسلطان العثماني والذي جاء متأثرا بالإصلاخات التي ولدت في أوربا في أعقاب الثورة الفرنسية. إلا أن هذا الدستور رغم محدودية ما منحه من حقوق سرعان ما أوقف العمل به لأمر من السلطان حتى حان عام 1908 حين أجبر السلطان على إعادة العمل بالدستور والذي أصبح يعرف بدستور 1908.
نشر الجنرال مود في 19 آذار 1917 بيانه الشهير الذي قال فيه: "إن الجيوش البريطانية لم تدخل المدن والأراضي العراقية بمنزلة قاهرين أو أعداء بل محررين" ، معلنا بذلك خروج العراق من الحكم العثماني ودخوله ضمن المستعمرات والمحميات البريطانية. لكن الأهم من ذلك أنه أكد عمليا لما قاله اللورد كرزن عن حقيقة الهدف البريطاني في الشرق الأوسط حين قال: "كان إحتلال العراق النهاية والغاية لثلاثة قرون من النشاط البريطاني في الشرق الأوسط".
وقد حكمت بريطانيا العراق حكما مباشرا فغيرت التشريع الذي كان سائدا مثل إلغاء قانون العقوبات التركي وقانون المرافعات المدنية وعدلت القانون المدني (مجلة الأحكام العدلية). لكن وضع العراق تحت الإنتداب في نيسان 1920 أدى إلى قيام ثورة حزيران 1920 الرافضة للوصاية والإنتداب.
وكان على بريطانيا التعامل مع الحقائق على الأرض فسارعت إلى تعيين (بيرسي كوكس) مندوبا ساميا في العراق. فعين كوكس حكومة مؤقتة برئاسة السيد عبد الرحمن الكيلاني وثمانية وزراء أصليين إضافة إلى إثني عشر وزيرا بلا وزارة. وقد تم التعيين على أسس طائفية ودينية وعرقية ، في الوقت الذي كانت السلطة الحقيقية بيد المستشار البريطاني الذي عين لكل وزارة.
أعلن فيصل الأول ملك العراق في خطاب التتويج يوم 23 آب 1921 بأن الهدف هو إنتخاب المجلس التأسيسي. وبعد مرحلة من الضغوط والتأخريات تمت عملية إنتخاب من نوع ما وإنتخب المجلس. وأهم دليل على الهدف من تشكيل المجلس يتجلا في أولويات الواجبات التي أنيطت به. فحين كان ينبغي أن يقر المجلس أولا القانون الأساس للدولة ، نرى أن أول مهام المجلس كانت تصديق المعاهدة العراقية البريطانية لكي تصبح ملزمة للقانون الأساس والحكومة التي تنبثق عن ذلك القانون.
لقد بدأت عملية الإعداد لدستور 1925 في أواسط 1921 مما يبين مدى الزمن الحقيقي الذي يتطلبه وضع دستور أساس لدولة وما يمكن أن يعترض مرحلة الإعداد من تضارب المصالح. وقد مرت مرحلة إعداد الدستور المذكور بعدة مراحل مهمة يجدر الإشارة لها ولو على عجالة لأهمية فهمها وإنعكاس ذلك على ما يمكن أن يعترض مرحلة إعداد الدستور الجديد للعراق.
وأول مرحلة كانت تشكيل لجنة موظفين بريطانيين لإعداد مسودة الدستور مستندة في ذلك إلى دساتير كل من مستعمرات بريطانيا الإسترالية والنيوزلندية. وقد خرجت اللجنة بمشروع دستور يعزز سلطة الملك ويضفي شرعية على كل القرارات والسياسات التي جرت بين 1914 وبين تنفيذ الدستور.
أما المرحلة الثانية فقد تألفت من عرض الملك لمشروع الدستور على لجنة وزارية والتي قامت بدورها بإدخال تعديلات على المشروع البريطاني فيما عرف بمشروع بغداد الأول في آذار 1922. ولعل من أهم التعديلات التي أدخلتها اللجنة الوزارية هي إهمالها للمادة التي وضعها المشروع البريطاني لإضفاء الشرعية على أعمال وقرارات المندوب السامي وأعمال الملك والحكومة والسلطات في الفترة ما بين 1914 وتنفيذ الدستور. إن أهمية هذا التعديل الذي وجد كل من ناجي السويدي وساسون حسقيل ورستم حيدر ضرورة إدخاله يجب ألا يغيب عن الحالة المثيلة اليوم.
وفي المرحلة الثالثة قامت وزارة المستعمرات ، حسب ما ذكره فيليب إيرلند في كتابه الموسوم (العراق: دراسة في تطوره السياسي) ، بتنقيح مشروع بغداد الأول بشكل أساس عن طريق توسيع سيطرة الملك على التشريع.
أما المرحلة الرابعة والتي عرفت بمشروع بغداد الثاني فقد تألفت من التنقيح الذي أدخلته لجنة مشتركة من ناجي السويدي والمستشار البريطاني لوزارة العدل العراقية مستعينة بعدد من الحقوقيين العراقيين. ومن أهم ما أدخله ذلك التنقيح هو جعل الوزراء مسئولين أمام مجلس النواب ومنع الملك من حل مجلس الأعيان ومنعه من إعلان الحرب دون موافقة مجلس الأمة.
وقد شملت المرحلة الخامسة تنقيح وزراة المستعمرات البريطانية والذي تركز حسب تحليل فيليب إيرلند على أن الضرورة هي في تأمين أن يكون الدستور كافلا لسيطرة الملك على مجلس الأمة مما يضمن تنفيذ المعاهدة العراقية البريطانية والتي وضعت قبل وضع الدستور. وقد عبر وزير المستعمرات عن ذلك حين كتب عند إعادة التنقيح الثاني إلى بغداد:"وصلت إلى نتيجة هي أنه يكفي في جميع الظروف أن نعطي الملك صلاحية إصدار تشريع عند الضرورة بشكل مرسوم يضمن تحقيق إلتزامات الحكومة العراقية المدرجة في المعاهدة وأن يشترط لهذا الغرض عدم الحاجة إلى عرض المرسوم على مجلس الأمة للمصادقة عليه".
ما أن حل نيسان 1923 حتى كان مشروع الدستور قد وصل مرحلته النهائية. ورغم أن المجلس التأسيسي شكل لجنة خاصة لدراسة المشروع إلا أنها لم تحقق شيئا من الناحية العملية فقد كانت التعديلات غير جوهرية كما أن عدد الذين ساهموا في النقاش من بين أعضاء المجلس الماية كان لا يتجاوز أصابع اليدين.
ورغم أن المجلس صادق على القانون الأساس في تموز 1924 إلا أن مصادقة الملك عليه تأخرت حتى آذار 1925 وذلك لتمكين بريطانيا على ما يبدو واضحا من تأمين الحصول على إمتياز النفط بموافقة مجلس الوزراء فقط دون الحاجة لإستحصال موافقة مجلس الأمة بموجب قانون خاص ، حيث جعلت المادة 114 من القانون الأساس موافقة مجلس الوزراء على منح إمتياز النفط عملا مشروعا وملزما لحكومات العراق المقبلة. وقد عدل الدستور هذا ثلاث مرات بين 1925 و1958.
وعندي أن أهم ما أدخله دستور عام 1925 وتعديلاته ، رغم نواقصه ، هو مبدأ الرقابة على دستورية القوانين والرقابة على القضاء دون إستثناء. وقد حددت المواد 81-86 أسس هذه الرقابة. ورغم أن سلطة الرقابة تلك التي منحها الدستور لم تمارس بشكل واسع حيث أن المحكمة تلك لم تنظر قط في دستورية أي تشريع ، إلا أن مبدأ تشكيل محكمة دستورية كان خطوة ثورية مما يجب ألا يتخلى عنها أي دستور عراقي جاء بعد ذلك.
حين قام الجيش صبيحة يوم 14 تموز 1958 بالسيطرة على الدولة فإن العراق دخل مرحلة النظام الجمهوري الذي غير النظام السياسي بشكل أساس. وقد قامت بالمفهوم السياسي أربع جمهوريات بين 1958 و إحتلال العراق في2003. فقد قامت الأولى صبيحة 14 تموز 1958 والثانية عشية 8 شباط 1963 والثالية يوم 18 تشرين الثاني 1963 والرابعة إمتدت من 17 تموز 1968 حتى 9 نيسان 2003. وقد جاءت كل منها بدستور مؤقت وأوشكت الرابعة على وضع دستور دائم لكنه لم يتم.
لم تكن قيادة عبد الكريم وعبد السلام قد إتفقت على شيء أبعد من إسقاط النظام الملكي. لذلك فإنها تركت العراق دون دستور في الفترة بين 14 تموز و27 تموز. حيث أن دستور 1925 إنتهى بسقوط النظام السياسي الملكي ولم يشرع الدستور المؤقت إلا في 27 تموز.
إن طريقة إعداد دستور تموز 1958 وقصره تدعو إلى التوقف لإستخلاص العبر. فقد عهد قادة الإنقلاب إلى رجل القضاء المتميز (حسين جميل) لإعداد الدستور المؤقت. وقد قام الأستاذ حسين جميل بذلك في بضعة أيام ثم عرضه على مجلس الوزاء والذي أضاف مادة تحدد أن الإسلام دين الدولة ثم تبناه. ويبدو أن حسين جميل إعتقد أن الدستور الذي طلب منه كان وثيقة مؤقتة بالمعنى الحقيقي سيتبعها دستور دائم مما حدى به للإيجاز لكن ذلك لم يكن ليحدث فتحول نظام الحكم إلى دولة بيد الحاكم يفعل ما يشاء.
إن من أهم ملامح دستور الجمهورية الأولى:
1. إن العراق جمهورية مستقلة وهو جزء من الأمة العربية.
2. إن في العراق بشكل أساس قوميتان.
3. إن الشعب هو مصدر السلطات.
4. لا تمييز بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية.
5. إن مجلس الوزراء هو السلطة التشريعية والتنفيذية في الوقت ذاته.
6. إن مجلس السيادة مكلف بالتصديق على تشريعات مجلس الوزراء.
7. لم يحدد الدستور سلطة تعيين أعضاء مجلس السيادة.
إن أهم الملاحظات حول الدستور المؤقت ذاك هي:
1. لم يحدد الدستور المؤسسات التي تضمن كيفية أن يكون الشعب مصدر السلطات.
2. إن فرض الأحكام العرفية قد سلب الحرية الشخصية التي ضمنتها المادة 11.
3. أعطى الدستور مجلس الوزراء السلطتين التنفيذية والتشريعية ، إضافة لسلطة الهيمنة على القضاء من خلال تعيين القضاة.
4. إن عدم تحديد الدستور لطريقة تعيين أعضاء مجلس السيادة وحصانتهم وطريقة إنهاء مهامهم قاد إلى أن تكون تلك جميعا بيد القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء.
5. نص الدستور على قيام مجلس السيادة بالتصديق على تشريعات مجلس الوزراء دون التعرض لحق المجلس في رفض التصديق وما يترتب على ذلك الرفض في حالة وقوعه ، مما أدى عمليا إلى تحول مجلس السيادة إلى أداة تصديق شكلية.
6. وضعت المادة 14 أسس التشريع اللاحق للإصلاح الزراعي الذي أنهى نظام الإقطاع في العراق.
سقطت الجمهورية الأولى يوم 8 شباط 1963 في إنقلاب عسكري قام به حزب البعث بمعونة بعض الحركات القومية الأخرى. ولم يصدر عن قادة التغيير دستور جديد حتى 4 نيسان 1963. لذا فإن الحكم بين 8 شباط و4 نيسان إستند إلى بيانات أصدرها قادة الإنقلاب بإسم المجلس الوطني لقيادة الثورة.
فقد نص البيان رقم 15 الصادر في 8 شباط 1963 على قيام المجلس الوطني لقيادة الثورة بممارسة السلطة العليا في الجمهورية العراقية جاعلا بذلك المجلس أعلى سلطة تشريعية في البلاد. كما أن البيان رقم 16 ألغى مجلس السيادة ومنصب القائد العام للقوات المسلحة منهيا بذلك عهد الجمهورية الأولى.
ويوم 4 نيسان 1963 صدر قانون المجلس الوطني رقم25 لسنة 1963 كدستور جديد للجمهورية دون الإشارة إليه على أنه كذلك. والطابع الغالب على هذا القانون إنه خلط بين أمور اساس وأمور تنظيمية لا علاقة لها بمبادئ الدستور مثل مخصصات أعضاء المجلس الوطني.
إن أهم ما جاء به القانون هو محاولة خلق قيادة جماعية للدولة العراقية مما لم يسبق له أن حدث. ويمكن القول بأن سبب هذا التوجه الجديد هو منع الإنفراد بالسلطة الذي سقطت فيه الجمهورية الأولى. على أنه يجب الإستدراك والقول أن قرار خلق قيادة جماعية لم يكن موفقا في منع وقوع الخلاف وسقوط الجمهورية الثانية في فترة أقصر من عمر الجمهورية الأولى.
فقد نص القانون على أن المجلس الوطني ، والذي يفترض وجوده قبل وقوع الثورة ، يمتلك كل السلطات التشريعية والتنفيذية بما في ذلك سلطة القائد العام للقوات المسلحة. وقد تجلى هدف القيادة الجماعية والتي كانت في واقع الحال قيادة حزب البعث نفسه في عدم تحديد رئيس للجلس الوطني حيث أن الموقع كان دوريا بين أعضاء المجلس لمدة شهرين لكل عضو. أما رئيس الجمهورية فلم يكن سوى عضو في المجلس الوطني. وقد حدد القانون سلطة رئيس الجمهورية في المادة 15 بشكل تبدو فيها وكأنها مهمة شكلية يقتضيها القانون حيث أن كل قرار له خاضع لموافقة المجلس. وقد عقد الأمر الصياغة اللغوية للمادة 15.
القوانين الدستورية للجمهورية الثالثة
تمكن الرئيس عبد السلام عارف من إستغلال الصراع داخل حزب البعث للإتفاق مع بعض أجنحته والقيام بإنقلاب منهيا حكم البعث الأول والجمهورية الثانية. وكان من الطبيعي أن يترتب على هذا التغيير السياسي حدوث تغيير دستوري ، وكذلك كان. إن من أهم سمات التغيير الدستوري هو أنه أنهى مفهوم القيادة الجماعية التي حاول قادة البعث في الجمهورية الثانية إدخالها نظاما للحكم. ونظرا للطبيعة الكيفية التي جرت فيها أمور السياسة في تلك الفترة فقد صدرت ثلاث وثائق دستورية لتنظيم الوضع السياسي عند ولادة الجمهورية الثالثة.
البيان الأول في 18 تشرين الثاني 1963
إن إهم ما جاء به هذا البيان هو تأكيد رغبة وشخصية عبد السلام عارف التي لم تؤمن قط بصحة القيادة الجماعية. فقد حل البيان المجلس الوطني لقيادة الثورة الذي تسلم السلطة يوم 9 شباط 1963 لكنه شكل مجلسا وطنيا جديدا اصبح فيه رئيس الجمهورية رئيسا للمجلس الوطني حاصرا بذلك السلطة الشتريعية والتنفيذية بيد شخص واحد. وقد أفرغ المجلس الوطني من تركيبته المدنية السابقة ليحل محله مجلس مكون في كليته من قادة الجيش.
قانون المجلس الوطني لقيادة الثورة رقم 61 لعام 1964
صدر في 22 نيسان 1964 القانون رقم 61 والذي يمكن مجازا تسميته وثيقة دستورية رغم أنه في واقع الحال وثيقة تجمع بين التقنين والتنظيم. وحيث أن الوثيقة أغفلت الإشارة إلى سلطة تعديلها فإن الواقع العملي أثبت أن إنفراد رئيس الجمهورية بالسلطة كان واضحا من خلال إنفراده بتعديل الوثيقة.
دستور 29 نيسان 1964 المؤقت
حاول عبد السلام عارف وضع دستور جديد يتضمن نصوصا تتجاوز المجلس الوطني لقيادة الثورة الذي حدده القانون 61. لذا فقد كلف وزير العدل (كامل الخطيب) لإعداد مسودة ذلك الدستور. لكنه ما أن أكملت اللجنة مسودة الدستور حتى رفض الرئيس المشروع لأنه لم يعطه السلطات الكافية للهيمنة على مؤسسات الدولة. عندها شكل عبد السلام عارف لجنة أخرى برئاسته أعدت دستورا يتطابق إلى حد كبير مع دستور الجمهورية العربية المتحدة ، بإستثناء إغفاله لمادة تعديله والتي لم يغفلها دستور الجمهورية العربية المتحدة.
وقد عدل دستور 29 نيسان المؤقت ست مرات بين 14 كانون الأول 1964 وبين 17 نيسان 1968.
ورغم أن القانون رقم 61 جعل السلطة التشريعية بيد المجلس الوطني لقيادة الثورة ، إلا أن المجلس المذكور لم يكن له وجود ولا سلطة فعلية. فإنحصرت السلطة التشريعية عمليا بيد رئيس الجمهورية حتى تعديل 8 أيلول 1965 والذي ألغى المجلس الوطني.
وقد أعطى الدستور المذكور رئيس الجمهورية سلطات مطلقة في تعيين الوزراء وإعفائهم وتعيين الضباط وإحالتهم على التقاعد وتشكيل مجلس الدفاع الوطني وحله. وحتى في الحالات التي منح الدستور فيها مجلس الوزراء سلطة إعطاء موافقته فإن تلك الموافقة كانت ستكون صورية ما دام مصير مجلس الوزراء مرتبطا بالإرادة الشخصية لرئيس الجمهورية.
ومن أهم ملامح ذلك الدستور أنه عرف الجمهورية العراقية لأول مرة على أنها دولة ديموقراطية إشتراكية. كما أن الدستور عرف شعب العراق بأنه جزء من الأمة العربية هدفه الوحدة العربية الشاملة والتي تلتزم الحكومة للعمل على تنفيذها بدءا مع الجمهورية العربية المتحدة.
ورغم ما نص عليه الدستور من مبادئ ديموقراطية إلا أن ثماني حكومات تعاقبت على حكم العراق عجزت خلال سنوات حكمها عن المباشرة بأي مشروع ديموقراطي يمنح الناس حقا مساهمة فعلية في العملية السياسية.
التشريع الدستوري في الجمهورية الرابعة
إنتهت الجمهورية الثالثة صبيحة 17 تموز 1968 في عملية إنقلاب عسكري ساهم فيه حزب البعث وعدد من الضباط والمدنيين قيل أن بعضهم كان على إرتباط بالمخابرات الأمريكية. وبذا بدأت أطول مرحلة سياسية جمهورية في تأريخ العراق الحديث حيث إستمر حكم حزب البعث حتى سقوطه أمام الغزو الأمريكي يوم 9 نيسان 2003.
ونظرا للفترة الطويلة لهذا الحكم فإن من الطبيعي أنه شهد تشريعات أكثر من حيث العدد وأكبر من حيث الأهمية. ومن أهم الوثائق الدستورية:
دستور 21 أيلول 1968
دستور 16 تموز 1970
مشروع دستور 1990
إضافة لذلك فإن هناك وثائق قانونية سياسية ذات قيمة دستورية من أبرزها:
ميثاق العمل الوطني 1971
قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان 1974 العراق
قانون إصلاح النظام القانوني 1977
دستور 21 ايلول 1968
جاء دستور أيلول 1968 مشابها إلى حد كبير لدستور 29 نيسان 1964 المعدل. ورغم أربعة تعديلات إلا أنه إستبدل بعد أقل من عامين بدستور جديد.
ومن أوجه الشبه والإختلاف بين الدستورين أن دستور أيلول عرف العراق بأنه دولة ديوقراطية شعبية في الوقت الذي عرفه دستور نيسان بأنه دولة ديموقراطية إشتراكية. ولا يخفى على المتتبع أن من الغريب أن يعلن عبد السلام عارف إيمانه بالإشتراكية في الوقت الذي يتخلى فيه حزب البعث العربي الإشتراكي عن هذا المبدأ في دستور دولته. ومن الإختلاف بين الدستورين هو أن دستور أيلول إعتبر الشعب مصدر السطات في الوقت الذي أغفل دستور نيسان أية إشارة لمصدر السلطات. ويتشابه الدستوران في الأبواب الثلاث الأولى ويختلفان في الباب الرابع الذي يشمل نصوص ممارسة السلطة.
ولعل من إهم ملامح دستور ايلول 1968 أنه أعاد مرة أخرى للتشريع مبدأ المحكمة الدستورية فقد نصت المادة 87 على ما يلي:
"تشكل بقانون محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير أحكام هذا الدستور والبت في دستورية القوانين وتفسير القوانين الإدارية والمالية والبت بمخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها ويكون قرارها ملزما".
وقد أعقب ذلك صدور القانون رقم 159 لعام 1968 لتنظيم عمل تلك المحكمة الدستورية. وقد كان الهدف من أجل تلك السابقة هدفا مهما ولا شك كما أن تشريع القانون اللاحق لتنتظيم عمل تلك المحكمة كان تأكيدا لذلك المبدأ. إلا أن الفرصة تلك ضاعت على المشرع كما ضاعت الفرصة في دستور 1925 السابق. فلم تمارس هذه المحكمة أية سلطة لها منذ تأسيسها. ورغم أن دستور أيلول 1968 قد تم إبطاله بدستور عام 1970 إلا أن قانون المحكمة الدستورية الرقم 159 ما زال قائما من الناحية الدستورية والقانونية وذلك لسببين أولهما أن أي قانون يشرع لا يزول حتى يلغيه أو يعدله قانون لاحق وثانيهما أن المادة 69 من دستور 1970 نصت على ما يلي:
"تبقى جميع القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة المعمول بعا قبل صدور هذا الدستور سارية المفعول ولا يجوز تعديلها أو ألغاؤها إلا بالطريقة المبينة في هذا الدستور".
وحيث أنه لم يصدر أي قرار أو يشرع أي قانون يلغي القانون رقم 159 لعام 1968 فإن المحكمة الدستورية التي نص عليها القانون المذكور ما زالت قائمة دستوريا.
دستور 16 تموز 1970
لقد وجدت قيادة البعث الحاجة لوضع بصمتها على تأريخ العراق بعد أن إستقر الوضع لها ، فجاء دستور تموز 1970. ولم يكن الدستور الجديد معبرا عن رأي الجزب قدر تعبيره عن تصور صدام حسين للدولة التي أرادها. فقد ترأس هو لجنة إعداد الدستور والتي ضمت رجال قانون تدريسيين أكثر منهم ساسة أو قادة حزبيين ، أي أن الدستور جاء معبرا عن التصور الدستوري للدولة التي أراد لها صدام حسين أن تقوم في العراق. وكذا كان كل تعديل لذلك الدستور. ورغم أن هذا الدستور كان مقررا له أن يكون مؤقتا إلا أنه من الناحية العملية إستمر العمل به حتى إحتلال العراق بعد أكثر من ثلاثين عاما من تشريعه.
وأول ما بدأ به الدستور الجديد هو تأكيده لما أغفله في دستور أيلول في النص على أن هدف الدولة هو تحقيق الدولة العربية الواحدة وإقامة النظام الإشتراكي. ثم أشار الدستور إلى مصدر السلطة بمصطلح إستعملته دساتير الدول دون وعي أو تحديد واضح لمضونه ألا وهو في أن (الشعب مصدر السلطة وشرعيتها). ولم يضع حزب البعث طيلة ثلاثين عاما هذه التعريف موضع التطبيق حيث بقي الحزب مصدر التشريع ولم يؤخذ رأي أحد في ذلك ، أي بمعنى آخر لم يتم خلق مؤسسات شعبية تضفي المشروعية على السلطة حتى إذا كانت السلطة معبرة حقا عن تلك الإرادة.
وقد عالجت المواد 5 ، 7 و 8 من الدستور التنوع القومي في العراق وفي ضوء ذلك صدر قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان رقم 33 لعام 1974.
وقد ثبتت المواد 12 و 13 من الدستور الهدف الإشتراكي للنظام في التأكيد على مركزية التخطيط وإمتلاك الدولة للثروات الطبيعية ووسائل الإنتاج وإنفرادها بإستثمارها مباشرة.
وقد غطى الباب الثالث من دستور تموز 1970 مبادئ أساس في ضمان الحقوق والواجبات مما يمكن أن يكون مثاليا من الناحية النظرية. كما حدد فلسفة التعليم والتثقيف بما يتعارض مع فلسفة النظام الرأسمالي ، ودعى إلى مكافحة الأمية وتكفل بالتعليم المجاني لكافة المواطنين في كل مراحل التعليم.
ورغم إدعاء المساهمين في إعداد الدستور بجدية العمل الذي دخل في إعداده إلا أن أحدا لم يرد بعد عن سبب ذكر أسماء أعضاء مجلس قيادة الثنورة في المادة 37 من الدستور. حيث أن تعريف مجلس قيادة الثورة وتحديد صلاحياته من صلب واجب الدستور ، أما عضويته فهي نتظيمية شكلية ولا علاقة لها بنص الدستور. وهذا أدى للحاجة إلى تعديل الدستور كلما تم إعفاء عضو من المجلس أو إضافة آخر له.
ولعل أهم ما أغفله الدستور الجديد هو المحكمة الدستورية ، حيث لم يأت نص فيه عليها. لكن هذا لا يغير من قناعتي المشار إليها أعلاه بأن القانون ما زال قائما من الناحية الدستورية.
مشروع دستور 1990
قرر الرئيس العراقي بعد حوالي 20 عاما من تشريع دستور 1970 وضع دستور دائم للبلاد. فشكل في آذار 1989 لجنة لهذا الغرض. وقد إنتهت اللجنة في آب 1989من إعداد مشروع دستور يتألف من 217 مادة. وقد أفرد الدكتور رعد الجدة في كتابه (التطورات الدستورية في العراق) شرحا طويلا لأسباب عدة ليس أقلها أهمية كونه أحد الثمانية الذين ساهموا في إعداد مشروع الدستور. وقد حدد الجدة المصادر التي إعتمدتها اللجنة في إعداد مشروع الدستوروأهمها دساتير مصر والجزائر ودستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لعام 1958 ، ولعل سبب التركيز على الدستور الفرنسي كون بعض أعضاء لجنة الدستور كانوا قد درسوا في فرنسا. ومن الغريب أن اللجنة لم تجعل الشريعة الإسلامية أحد مصادرها الأساس ، وحيث أن الجدة لم يذكر ذلك في إشارته فلا بد من الإستنتاج إلى أن الشريعة لم تكن مصدرا مهما.
ومن نقائض التشريع أن يشير الدكتور الجدة إلى أن إعتماد الدستور لمبدأ الإستفتاء هو من المفاهيم الإيجابية التي أدخلها الدستور. والحقيقة أن الإستفتاء ليس سوى ألعوبة جاء بها النظام الرأسمالي لتخدير الناس وإشعارهم بأنهم يشاركون في صنع القرار ، فالدستور ليس وثيقة تكتبها الدهماء والتصويت عليه جملة ليس وسيلة ديموقراطية بل هو إضفاء شرعية على وثيقة ليس للمصوت دور في صياغتها أو التحكم بها.
إن مشروع دستور 1990 هو من أطول وأوسع الوثائق الدستورية في تأريخ العراق الحديث ، وبغض النظر عن الموقف السياسي من الحكومة التي أعدته وأرادت إتخاذه فإن من الضروري دراسته بجدية. فمشروع الدستور غطي كل المبادئ التي يتوقع أن يأتي بها الدستور كما أنه جاء نتيجة فترة حكم متواصل وطويل نسبيا مما لم يشهده العراق الحديث.
ومن أهم ملامح مشروع الدستور هذا:
- عرف المشروع العراق على أنه دولة مستقلة ذات سيادة نظام الحكم فيها جمهوري رئاسي. وفي هذا أثبت المشروع لأول مرة تعريفا للدولة لم يحدد منذ قيام الجمهورية. وهو في الوقت نفسه ألغى عبارات الديموقراطية والشعبية والإشتراكية التي جاءت في دساتير الجمورية السابقة. رغم أن الدستور عاد في المادة 10ليعرف النظام السياسي بانه ديموقراطي إشتراكي.
- حددت المادة الثالثة أن الشعب مصدر السلطة وشرعيتها يمارسها عن طريق ممثليه أو بالإستفتاء.
- منحت المادة الثانية عشرة الحكم الذاتي للأكراد بموجب قانون.
- حدد مشروع الدستور هدف العراق في تحقيق الوحدة العربية الشاملة ثم عاد ليؤكد هدفه في تحقيق الوحدة الإقتصادية العربية.
- حصر المشروع ملك وإستثمار الثروات الطبيعية بالشعب.
- ضمن المشروع الحرية الشخصية بما يتلاءم ومواثيق حقوق الإنسان العالمية.
- كفل المشروع حق التعليم للمواطنين وجعله إلزاميا في المرحلة الإبتدائية في الأقل.
- أعطى المشروع سلطات واسعة لرئيس الجمهورية.
- خلق المشروع مجلس شورى يستشيره رئيس الجمهورية يعين هو نصف أعضائه وينتخب نصفه الآخر ، إلا أن لرئيس الجمهورية حق حل المجلس.
- جعل المشروع من المجلس الوطني السلطة التشريعية ويجري إنتخاب أعضائه بالإقتراع العام السري.
- وضع المشروع لأول مرة في تأريخ دساتير العراق الحديث قواعد لتعديل الدستور.
- أعطى مشروع الدستور حق الإستفتاء للشعب في حالة الخلاف بين رئيس الجمهورية ومجلس الشورى على تعديل الدستور ، وخلق بذلك حالة يمكن فيها للشعب أن يقف خلف مجلس الشورى خلاف رئيس الجمهورية.
قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية
لقد ترتب على حرب 2003 والإحتلال الذي أعقبه حالة جديدة في تأريخ العراق الحديث تماثل من جهة ما مر بالعراق في مطلع القرن العشرين وتختلف عنها في جهات عدة. ونظرا للطبيعة المختلفة للتغيير الذي يأتي به إنقلاب عسكري أو ثورة شعبية أو الذي يأتي به إحتلال أجنبي فإن حالة العراق وشرعية ما يجري وما سيجري تصبح جميعا موضع نقاش جدي ، بل ربما صراع حقيقي.
وأود بادئ بدء أن ابين أني لا استعمل ولا أتحاشى إستعمال الألفاظ القانونية لأسباب عاطفية أو سياسية. حيث أني لايعنيني الحديث في مفردات اللغة إذا كان التصريح القانوني باللفظ واضحا. لهذا فإني حين أقول أن ما وقع في العراق إحتلالا فإني استند إلى تعريف مجلس الأمن لذلك في قراره المرقم 1483 وسبب هذا أن التعريف القانوني الواضح يترتب عليه تبعات قانونية واضحة ، وبدونها يصبح القانون تجربة عبثية وهو ما لا يمكن أن يكون. فقد نص قرار مجلس الأمن 1483 ضمن ما نص عليه على ما يلي:
"وإذ يلاحظ الرسالة المؤرخة 8 أيار 2003 الموجهة إلى رئيس مجلس الأمن من الممثلين الدائمين للولايات المتحدو والمملكة المتحدة لبريطانيا العظنى وإيرلندا الشمالية (S/2003/538) ، وإذ يسلم بالصلاحيات والمسؤوليات والإلتزامات المحددة بموجب القانون الدولي المنطبق على هاتين الدولتين ، بوصفهما دولتين قائمتين بالإحتلال تحت قيادة موحدة (السلطة) ، "
وبهذا يكون مجلس الأمن قد حدد أن ما وقع في العراق إحتلال ، وأهمية هذا التعريف هو أنه جعل العراق خاضعا للقانون الدولي إلى جانب حقوقه وإلتزاماته تحت قوانينه المحلية. وهذا الوضع يختلف تماما عن حالات التغيير التي يأتي بها إنقلاب عسكري على سبيل المثال حيث أن مجلس الأمن لا يتدخل في شئون ذلك البلد ولا تنطبق قواعد القانون الدولي على شئون ذلك البلد عندها. أي أن العراق اصبح عشية 9 نيسان 2003 وما زال خاضعا للقانون الدولي وهو أمر لم يعرفه العراق منذ سقوط الدولة العثمانية إضافة إلى هذه الحقيقبة لها تعقيد آخر مصدره أن أكثر الناس ، ليس في العراق حسب وإنما في كل العالم ، بل حتى القانونيون ليسوا على إلمام بالقانون الدولي.
وحين إنتقل مجلس الأمن إلى سلطته بموجب الفصل السابع من الميثاق فإنه حدد بشكل واضح في الفقرة (5) ما يلي:
"يطلب من جميع المعنيين أن يتقيدوا تقيدا تاما بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي بما في ذلك بصفة خاصة إتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي لعام 1907 ،"
وليس من قبيل الصدفة أن يحدد مجلس الأمن ضرورة إلتزام كل الأطراف بإتفاقية جنيف وقواعد لاهاي بشكل خاص. ذلك لأن هذه وضعت لتنظيم إدارة الأرض المحتلة والتعامل مع مواطنيها. ومن المهم هنا التأكيد على أن القرار المذكور ألزم كل الأطراف بالقانون الدولي. وهذا يعني قوات الإحتلال والسلطة التي عينها الإحتلال أو التي ستنبثق عن الإحتلال والمقاومة التي قد تقوم ضد الإحتلال. أي بمعنى آخر ساوى القرار بين كل الأطراف المعنية في العراق أمام القانون. عليه فإن قتل المدنيين على أيدي المقاومة يصبح جريمة حرب تماما كما أن قتل المدنيين على أيدي قوات الإحتلال هو جريمة حرب دون إستثناء أو إعفاء. وحيث أن إعداد دستور جديد للعراق يجب أن يخضع لقواعد القانون الدولي إذا كان لهذه الوثيقة أن تكتسب اية شرعية فإن أول ما يجب أن يتعرف عليه المشرعون هي أوليات القانون الدولي هذا وما يمكن وما لا يمكن أن يتم بموجبه. ولا أدري من من المعنيين الذين أشار لهم قرار مجلس الأمن أعلاه قد إطلع على تفاصيل ما هو ملزم به وفق القانون. لكن المهم أن نشير ولو على عجالة إلى إتفاقيات جنيف وقواعد لاهاي. إن أتفاقيات جنيف وضعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية من قبل المؤتمر الدباوماسي لوضع إتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحرب ، وقد كان الهدف الواضح منها هو حماية ضحايا الحرب من مدنيين وجرحى وأسرى من اية معاملة لا تليق بكرامة الإنسان ، وقد تم في 12 آب 1949 إعداد أربع إتفاقيات أصبحت تعرف جمعا بإتفاقيات جنيف وهي كما يلي:
1. الأولى: لتحسين حال الجرحى والمرضى في القوات المسلحة في الميدان.
2. الثانية: لتحسين حال الجرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار.
3. الثالثة: إتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب.
4. الرابعة: إتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.
ثم أعقبها في 8 حزيران 1977 أصدار بروتوكولين ملحقين لتوسيع الحماية الممنوحة لضحايا المنازعات المسلحة الدولية والمحلية. وليس عسيرا فهم أهمية الإتفاقيات الثالثة والرابعة والبروتوكولين الملحقين بالنسبة للعراق.
أما قواعد لاهاي 1907 كما أسماها قرار مجلس الأمن آنف الذكر فهي الإتفاقية التي وضعت عام 1907 بإسم الإتفاقية المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية وملحقاتها. وهذه الإتفاقية ما زالت رغم مضي أكثر من قرن عليها تشكل قانون الحرب البرية الدولي وتحدد واجبات القوة المحتلة وإلتزاماتها تجاه شعب الأرض المحتلة كما تحدد سلطات قوات الإحتلال في تغيير القوانين والنظام السياسي في الأراضي المحتلة.
وقد قامت سلطة الإحتلال منذ إحتلال العراق وحتى قبل قرار مجلس الأمن المرقم 1483 بمنحها سلطة حكم العراق بإصدار سلسلة من التشريعات والقرارات التي غيرت طبيعة النظام السياسي والإقتصادي في العراق. وبعض تلك التشريعات ذو أثر محدود وبعضها ذو أثر بعيد ومستمر. ومن أهم تلك التشريعات "قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية" (القانون). ذلك لأن القانون المذكور وضع قواعد الدستور العراقي المقبل وإفترض حقائق دستورية لم يقم إجماع عراقي حولها.
وتختلف الآراء حول قانونية ودستورية هذه التشريعات وعلى الأخص (القانون). فالذين يرون دستورية هذا التشريع يستشهدون بتخويل مجلس الأمن لمجلس الحكم بإدارة العراق. ويفسر السيد منذر الفضل في محاضرته التي ألقاها في نيسان 2005 أمام جامعة بوزان في بولنده في مؤتمر "الفدرالية ومستقبل الديموقراطية في العراق" بـأن سلطة مجلس الحكم في إصدار (القانون) تأتي من تفسير قرارت مجلس الأمن المرقمة 1483 و 1511 و1546 دون أن يحدد النص الذي إستند إليه في هذا الإستنتاج.
أما الطرف الآخر الذي يطعن بحق مجلس الحكم في إصدار (القانون) فيستند إلى عدم جواز ذلم بموجب القانون الدولي وعلى الأخص إتفاقية لاهاي لعام 1907 التي ألزم قرار مجلس الأمن المرقم 1483 جميع الأطراف بها فقد نصت المادة 43 من قواعد لاهاي على:
"حيث أن سلطة السادة القانونية قد إنتقلت إلى يد المحتل فإن على الأخير أن يتخذ كل الإجراءات التي بيده لإعادة وتأمين ، ما بقدر المستطاع ، النظام العام والأمن مع إحترامه ، إلا إذا أضطر بشكل مطلق ، للقوانين السائدة في البلد".
ويقول المعترضون بأن قرار مجلس الأمن الذي ألزم الأطراف جميعا بقواعد لاهاي لا يمكن أن يكون قد أعطى أيا منهم إستثناءا منها في السماح لقوات الإحتلال بتغيير قوانين الأرض المحتلة.
ولا يمكن الإنتهاء من هذا الأمر دون الإشارة إلى أن السيد منذر الفضل يشير في محاضرته إلى أن (القانون) كتب باللغة الإنكليزية وترجم إلى العربية وذلك في معرض إنتقاده لبعض النصوص.
ولعل من أهم ما جاء به قانون إدارة الدولة (القانون) هو أنه حدد بشكل أو بآخر صياغة الدستور المقبل للعراق وذلك من خلال تثبيت مواد أساس وخلق ثوابت معينة لم تكن موجودة أو لم يثبت بعد أنها متفق على وجودها بين العراقيين. هذا إضافة إلى أن القانون وقع ذاته في تناقض في بعض مواده.
وحيث أن القانون أصبح القاعدة التي يراد أن يبنى دستور العراق عليها فهو بحاجة إلى تحليل مستفيض. إن الهدف الأساس من إستعراض (القانون) هو تبيان إيجابياته وسلبياته ما أمكن ذلك وذلك بهدف التنبيه لما يمكن تلافيه من خلل وتبني ما يجب أو يصلح تبنيه. ونورد هنا بعض الملاحظات:
1. نصت المادة الرابعة على أن "نظام الحكم في العراق جمهوري إتحادي (فدرالي) ديموقراطي تعددي.."(النص هنا كما ورد في موقع سلطة الإئتلاف). وقد أدخلت هذه المادة نظام حكم لم يكن قائما في العراق حيث أن كل الجمهوريات الأربع أكدت على نظام الدولة الواحدة وليس الدولة الإتحادية. وعليه فإن سلطة الإحتلال غيرت في هذه المادة طبيعة الدولة العراقية دون إجماع من شعب العراق على ذلك التغيير سواء كان ذلك الإجنلع عن طريق الإستفتاء أو الحوار الواسع بين أطياف المجتمع العراقي. هذا إضافة إلى ان المادة المذكورة فتحت الباب على مصراعيها لتأويل معنى الدولة الإتحادية ، وجعلت من العسير التراجع عن هذه المبدأ في دستور المستقبل. إن محاولة تجاوز هذه المادة في الدستور الدائم سيكون ، في تقديري ، إحدى أصعب العقبات. ويعترض السيد منذر الفضل في محاضرته المشار إليها أعلاه على تحديد الدولة على أنها "جمهورية" مشيرا إلى إمكانية رغبة العراقيين في إعادة الملكية. وهو بهذا يطعن في المادة الأساس التي حدد فيها (القانون) طبيعة الدولة. ويترتب على هذه الإمكانية في الطعن تغيير جملة مواد لاحقة في القانون فيما يخص معنى الفدرالية وتوزيع السلطات.
2. وحين حاولت بقية المادة الرابعة تفسير معنى النظام الإتحادي فإنها عقدت الأمر اكثر وأدخلته عالما جديدا. فقد نصت على أن "يقوم النظام الإتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتأريخية والفصل بين السلطات وليس على أساس الأصل أو العرق أو الإثنية أو القومية أو المذهب". فما هي الحقائق الجغرافية والتأريخية في العراق والتي ليست عرقية أو إثنية أو قومية أو مذهبية؟ ورغم أن تفسيرا لم يعط بعد لمعنى هذا الجزء من المادة المذكورة إلا أن المعترضين عليها يقولون بإن هذا التعريف عقد الأمر بدل أن يوضحه حيث أنه أوحى بأن في العراق رغبة بين المواطنين لتقسيمه على أسس جغرافية لا تتعلق بالعرق أو المذهب أو القومية وهو أمر لا وجود له في العراق. فالعراق كما عرفه الكاتب والصحفي الأمريكي المعروف إدون بلاك يمتلك تأريخا عمره 7 آلاف سنة ، فكيف تعرف حقائق تأريخية عمرها هذا التأريخ الطويل دون أن تدخل في تعقيدات وتتطلب وقتا غير معقول. وقد عارض (القانون) نفسه في فقرات لاحقة هذا التعريف وهو أمر يجب الإنتباه له عند إعتماد القانون في صياغة الدستور. نذكر منها على سبيل المثال:
أ. نصت المادة الثالثة والخمسون على ما يلي:"يعترف بحكومة إقليم كردستان بصفتها الحكومة الرسمية للأراضي التي كانت تدار من قبل الحكومة المذكورة..." إن هذه المادة تعبر عن التقسيم على أسس قومية وعرقية خلافا لنص المادة الرابعة.
ب. نصت المادة الرابعة والخمسون على أن "تستمر حكومة إقليم كردستان في مزاولة أعمالها الحالية طوال المرحلة الإنتقالية..." وينطبق التعليق على المادة الثالثة والخمسين على هذه المادة.
3. نصت المادة السابعة على ما يلي:" العراق بلد متعدد القوميات والشعب العربي فيه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية". وأهمية هذه المادة هي أنها أتت بتغيير جوهري لفقرة ضمتها كل دساتير العراق الحديث من عام 1925 حتى 2003. ويتعلل طالبو التغيير بإزالة مادة كون العراق جزءا من الأمة العربية والتي ضمتها دساتير العراق منذ 1925 بـأن هناك قوميات متعددة وأن العرب لا يحق لهم الإنفراد بالعراق حيث أن الأكراد الذين هم شركاء في الوطن ليسوا جزءا من الأمة العربية وبالتالي لا يجوز قسرهم للإنتماء لما ليسوا منه. وقد ذهب السيد منذر الفضل إلى المطالبة بأن ينص الدستور على أن عرب العراق جزء من الأمة العربية وأكراد العراق جزء من الأمة الكردية. أما المعترضون على هذا التغيير الجذري في تعريف العراق فيحتجون بأن التغيير من حيث المبدأ بحاجة إلى تبرير وليس العكس. ذلك لأن دساتير العراق نصت منذ نشأة العراق على كونه جزءا من الأمة العربية ولو لم تنص لما كان هناك جدل حول المادة الجديدة ، أما أن النص كان قائما منذ ثمانين عاما فإن تغييره يصبح ذو مدلول مهم وخطير ، خصوصا وأنه يجري تبنيه من قبل قوات الإحتلال التي لا تطبقه في أرضها. إضافة لذلك فهم يحتجون بأن العراق ليس فقط جزءا من الأمة العربية وإنما هو الأرض التي تكاملت فيها الشخصية العربية في حكم الدولة العباسية لستة قرون وإن محاولة ذلك تهدف لنزع الهوية القومية عن الأمة العربية جمعاء ، بل يذهب المعترضون على التغيير لأبعد من ذلك في الإشارة أن الهدف من التغيير هذا هو منع العراق من الدخول في أي مشروع وحدة عربية.
4. رغم أن القانون جاء بمبادئ إنسانية جيدة متطابقة مع مواثيق حقوق الإنسان فإنه وجد أنه له الحق أن يستثني بعض إجراءاته منها أو أن يخرق القانون كما يشاء. وهذا هو بالضبط ما أخذه على النظام السابق والذي كان يشرع القوانين التي تضمن في نصوصها حقوق الإنسان ثم يعود ليسلبها تحت ذرائع متعددة، فلماذا إعتقد القانون أن له الحق أن يفعل ما يعيبه على من سبقه؟ إن الهدف من هذا التنبيه هو عدم العودة لأساليب الحكم التي عرفها العراق خلال خمسين عاما من الإضطراب السياسي. وحتى نكون أكثر دقة نورد على سبيل المثال من تلك الإستثناءات التي لا يجوز أن تقع ما يلي:
أ. فقد نصت المادة الثانية عشرة على ما يلي:
" العراقيون كافة متساوون في حقوقهم بصرف النظر عن الجنس أو الرأي أو المعتقد أو القومية أو الدين أو المذهب او الأصل .."
كما نصت المادة (13) على ما يلي:
"إن الحق بحرية الإجتماع السلمي وبحرية الإنتماء في جمعيات هو حق مضمون كما أن الحق بحرية تشكيل النقابات والأحزاب والإنضمام إليها وفق القانون هو حق مضمون"
إلا أن سلطة الإحتلال شرعت وطبقت قرار إجتثاث البعث وهو قرار يمس في الأساس حرية المعتقد والفكر ولا علاقة له بالسلوكية او الجريمة ويتعارض مع نص وروح المبادئ السامية التي ثبتتها المواد أعلاه. ويقول أصحاب فكرة إجتثاث البعث أن الحزب إرتكب جرائم بحق العراق وعليه وجب إزالته من الخارطة السياسية العراقية. أما المعترضون على هذا القرار فيرون فيه خرقا للقاعدة الأساس في حرية الفكر والمعتقد فإنه أي البعث حركة سياسية لعبت دورا في تأريخ العراق والوطن العربي لسبعين عاما ولا يمكن تجاهلها بصيغة قانون. أما إذا كان أفراد من البعث قد إرتكبوا جرائم فللقانون أن يقتص منهم بشكل اصولي دون أن يؤدي ذلك لتجريم فكر كامل.
ب. نصت الفقرة (15ج) على ما يلي:
"لا يجوز إعتقال أحد أو حجزه خلافا للقانون. ولا يجوز إحتجازه بسبب معقتدات سياسية أو دينية".
إن هذا المبدأ ليس فضلا من أحد وإنما هو من شرائع السماء التي تبناها أهل الأرض والتي تقضي بعدم جواز حجز الإنسان دون توجيه تهمة. ويرد الطاعنون بأن هذا المبدأ ، شأنه في ذلك شأن كثير من المبادئ التي ثبتتها دساتير العراق السابقة ، لم يلتزم به منذ تشريع القانون ، فما زال العراقيون يعتقلون ويحتجزون بدون طائل قانوني. ويرد المدافعون عن هذه السياسة بأنهم يقاومون الإرهاب وهم لذلك محقون فيما يفعلون. فيرد المعترضون بـأن الأمم المتحدة لم تتفق بعد على تعريف الإرهاب فقد عجزت دول العالم أثناء الحوار الذي إستغرق سنوات عند إعداد دستور محكمة الجنايات الدولية على الإتفاق على تعريف للإرهاب وسبب ذلك أن دول العالم الثالث طالبت أن يشمل التعريف سلوك الدول وليس فقط الأفراد والمنظمات كما أرادت دول أوربا وعلى رأسها بريطانيا. ولا يخفى على أحد سبب هذا الخلاف. ذلك لأن هناك من يعتقد أن كل عمل عسكري ضد دولة تؤيدها أمركا يعتبر إرهابا بينما هناك من يعتقد أن اي عمل مقاوم للإحتلال هو عمل مشروع كما أقره المؤتمر الذي عقد بين الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية.
وقد يعترض الداعمون لحق خرق المبادئ الأساس لحقوق الإنسان بأن للدولة الحق بل عليها واجب حماية نفسها من أي عمل هدام أو تخريبي يعرض أمن المواطن للخطر. فيرد المعترضون بأن للدولة كل الحق ولكن ذلك يجب أن يتم ضمن القانون ودون تجاوز ، ذلك لأن سماح الدولة لنفسها بخرق القواعد الأساس هو بداية منزلق خطير بدأت به كل دكتاتوريات العالم ولم تعرف أين تقف.
ت. نصت المادة (15ز) على ما يلي:
" لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الإعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل دون إبطاء في قانونية توقيفه أو إعتقاله وتأمر بالإفراج عنه إذا كان ذلك قد بشكل غيرقانوني" .
ويرد الطاعنون على هذه المادة بأن هذا الحق ليس متوفرا لآلاف العراقيين سابقا كما هو الآن حيث أنه لا توجد محكمة للنظر في طعونهم إضافة إلى أن أحدا لا يعرف حقا من هم المعتقلون وأين يودعون. إن خرقا كهذا وبهذه السعة يجعل من المادة المذكورة والتي تشكل العمود الفقري لمواثيق حقوق الإنسان موضع تساؤل. إن سبب هذا التجاوز الواضح هو أن (القانون) لا يطبق على قوات الإحتلال. ورغم أن إتفاقيات جنيف حددت واجبات وسلطات قوات الإحتلال إلا أنه لا وجود لآليات تتحقق من التطبيق أو عدمه لتلك الإتفاقيات.
ث. نصت المادة (15 ط)علي ما يلي:
" لا يجوز محاكمة المدني أمام محكمة عسكرية. ولا يجوز إنشاء محاكم خاصة أو إستثنائية".
إلا أن القانون أعطى لنفسه الحق أن يستثني المحكمة العراقية المختصة من هذا المبدأ. وبتساءل أي قانوني ما هي قيمة المبادئ إذا كان القانون يجيز خرقها؟ وإذا خرقت مرة فمن سيمنع خرقها أخرى؟ ثم أليست حجة كل من يتجاوز على القانون أن يدعي أن الحاجة إقتضت ذلك؟
5. أدخلت المادة الثامنة والخمسون في صلب التشريع ما هو ليس في صلبه حيث أوردت أمورا شكلية تحددها قوانين الملكية السائدة او التي ستعدل ، كما أن المادة المذكورة ثبتت مبدأ خطيرا حول التنازع على جزء من العراق مما يمس بسيادة ووحدة العراق. فقد نصت المادة على ما يلي:
"تقوم الحكومة العراقية الإتقالية ولا سيما الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة ، وعلى وجه السرعة ، باتخاذ تدابير من أجل رفع الظلم الذي سببته ممارسلت النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك.." ثم أسترسلت المادة بعد ذلك لتحديد ما على الحكومة الإنتقالية أن تفعله.
وقد جرى نقاش حول هذه الأمر مفاده أن تهجير الأكراد من بعض مناطق العراق كان الهدف منه تغيير الخريطة الجغرابشرية للمنطقة. وقد إعترض المعترضون بأنه بغض النظر عن الترحيل القسري لبعض الإكراد من شمال العراق إلى جنوبه فإن المبدأ الأساس هو حق العراقيين في العيش والسكن في أي جزء من العراق مما لا يمكن أن ينتزع منهم. أي بمعنى آخر إنه إذا كان باطلا ترحيل الأكراد عن بعض المناطق في شمال العراق فسوف يكون باطلا ترحيل اي مواطن غير كردي سكن شمال العراق أو ولد فيه بإعتبار العراق وطنا واحدا. إن عودة المهجرين إلى ديارهم ليس موضع جدل حيث أن كل من أجلي قسرا لا بد أن يكون له حق العودة إذا شاء ذلك. لكن هذا لا يجب أن يعنى تهجير العرب الذين إستوطنوا شمال العراق دون أن يكون في هذا نفي لكون العراق دولة ديموقراطية واحدة. إن منع إستيطان العرب في شمال العراق إضافة لكونه مناقضا لقواعد العدالة والديوقراطية التي بشر بها القانون سوف يخلق تساؤلا عن جق الأكراد في الإستيطان في المناطق العربية بما في ذلك بغداد ، وهذا كما لا يغيب على أحد سوف يفتح أبوابا عديدة تتعلق بمفهوم السلطة والتقييدات التي يمكن أن توضع عليها.
6. نصت المادة التاسعة والثلاثون على قيام مجلس الوزراء بتعيين ممثلين لغرض التفاوض على عقد معاهدات وإتفاقات دولية. وحيث أن سلطة مجلس الوزراء هي سلطة مؤقتة فإن التساؤل هو: ما هي الحاجة لعقد معاهدات في مرحلة حكومة مؤقتة ، لكن الأهم من ذلك هو هل يجوز حقا لسلطة مؤقتة أن تعقد معاهدات ملزمة لسلطة مستمرة تأتي بعدها. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن عقد المعاهدات واحدة من أهم الإلتزامات التي يمكن لدولة أن تلزم نفسها بها فكيف أجاز القانون التعامل معها بهذه البساطة حين أوكلها إلى ممثلين يعينهم مجلس الوزراء دون أن يكون للشعب سلطة عليهم. ولكي أقرب خطورة المسألة أبين هنا على سبيل المثال أن سلطة عقد المعاهدات ما زالت تعتبر في بريطانيا من أخطر الأمور حتى أنها ما زالت مناطة بالملكة.
7. إن قراءة الباب السادس من القانون ، أي المواد 43-46 ، والمتعلق بالسلطة القضائية الإتحادية يعطي تصورا بوجود قضاء عراقي جديد. وقد يكون هذا قد حدث فعلا لكن الشكل الدستوري يقضي يأن يثبت هذا بتشريع. ويدعي أصحاب هذا الراي أنه يحق للسطلة الإنتقالية وضع قواعد جديدة للقانون العراقي. إضافة إلى أن الحقائق على الأرض أدت إلى بروز الحقائق القضائية التي يتعامل (القانون) معها ، والتي يتصدرها كون القضاء في كردستان اصبح بحكم الواقع مستقلا عن الحكومة المركزية في بغداد. ويرد اصحاب الرأي المعارض بأن تعديل النظام القضائي المتراكم من أخطر الأمور وأكثرها تعقيدا ويتطلب تعاملا جديا وبتفصيل آكثر ، هذا إضافة إلى أن تغيير السلطة القضائية ليس من صلاحيات سلطة الإحتلال بموجب القانون الدولي.
8. نصت المادة التاسعة والخمسون على ما يلي:
" سيحتوي الدستور الدائم على ضمانات تؤكد أن القوات المسلحة العراقية لن تستخدم مجددا لإرهاب الشعب العراقي أو قمعه".
ويعتد المدافعون عن هذه المادة بأنها جاءت نتيجة الظلم الذي لحق قطاعات من الشعب على يد القوات السملحة في النظم السابقة. لكن المعترضين عليها يحتجون بأنه سواء إحتوى الدستور الدائم على ذلك أم لم يحتو فإن ما من تشريع يحدد سلطة تشريع لاحق ذلك لأن كل مشرع يمتلك بموجب سلطته التشريعية الحرية في ألا يلتزم بما سبقه من تشريع. إن الهدف من هذا التنويه هو ألا تكون هذه سابقة تتبع في تشريع الدستور المقبل حيث أن السلطة التشريعية يجب أن تكون حرة في ممارستها للتشريع.
9. نصت المادة السادسة والعشرون على ما يلي:
" ستبقى القوانين النافذة في العراق في 30 حزيران 2004 سارية المفعول ، إلا إذا نص هذا القانون على خلاف ذلك ,وإلى أن تقوم الحكونة العراقية الإنتقالية بإلغائها أو تعديلها وفقا لهذا القانون".
وهذا يعني بموجز العبارة أن كل القرارات التي اصدرها بريمر إكتسبت شرعية بموجب هذا القانون. ولا بد أن نذكر هنا بأنه حين عرضت بريطانيا في الإحتلال الأول للعراق جعل قرارات المندوب السامي المتخذة قبل تشريع دستور 1925 قانونية فإن كلا من ناجي السويدي وحسقيل ساسون ورستم حيدر رفضوا ذلك. إن خطورة ذلك هو أن يعطي دستور العراق موافقة على قرارت قد يكون بعضها مناقضا للقانون الدولي وهو ما لا يمكن لدستور العراق أن يفعله. إن الحكمة تقتضي الصمت على هذه الأمور لكي تكون موضوعا يتعامل معه القضاء كلما دعت الحاجة لذلك.
ماذا عن المستقبل
إن حاجة العراق لدستور ينضم علاقة الدولة بالمواطن ويحدد سلطاتها ليست موضع جدال. لكن المهم أن يتم وضع هذا الدستور على أسس سليمة ومتفقة مع رغبات المجموع. فالدستور لايكتب لكي يوافق رأي الأغلبية حيث أن هذا مبدأ تشريع القوانين ، أما الدستور فإنه يكتب لكي ينال موافقة المجوع. إن دستورا لا ينال موافقة الإجماع عليه ليس سوى وثيقة للخلاف والنزاع. فليست هناك حكمة في نظري لوضع دستور يكون الهدف منه الخروج بـأن الأغلبية وافقت عليه خصوصا إذا كانت الأقلية مقتنعة بأنها صاحبة الحق في السلطة ووريثتها ، وأن تلك السلطة لم تسحب منها إلا بسبب الغزو الأجنبي. فإذا اقتنع العرب السنة بان السلطة التي في ايديهم منذ ألف عام والتي منحتهم حق حكم العراق كما نعرفه تسلب منهم فليس هناك دستور سوف يستطيع أن يغير من هذه الحقيقة دون أن يعطى العرب السنة الدليل على أن هذا ليس هو الهدف حقا.
إن الهدف من كتابة دستور العراق المقبل يجب أن يكون إجماع العراقيين عليه ، وإلا فإنه سيكون تجربة عبثية كما سبقها من دساتير إدعت جميعا أنها وضعت لصالح المجموع ، فقد إدعى كل السابقين بأن هدفهم كان تحرير العراق والخروج به من الإستبداد ، لكنهم ما إن إنفردوا بالسلطة حتى عادوا لما نهوا عنه.
وقبل الدخول في عرض ما يجب أن يتضمنه الدستور لا بد لي من الإشارة إلى أن قاعدتين أساسيتين يجب توافرهما عند إعداد أي دستور حقيقي وصادق.
أولاهما هي ما هي قواعد تعديل الدستور ، حيث أن من السهل وضع الدستور ولكنه ما لم يتفق على صيغة تعديله أو تغييره ، فإن التشريع يصبح عبثا ومدعاة للخلاف والتنازع.
وثانيتهما ماهي الضوابط القانونية التي يجب أن توضع لتفسير القانون وتأويله والطعن في التشريع غير الدستوري.
ومن أجل ضمان الحد الأدنى من ذلك فإن المبادئ التالية يجب في نظري أن تكون موضع عناية واضعي الدستور وأن يضمن ما تتفق عليه منها في الدستور.
نوع الدولة العراقية
1. إن تحديد نوع الدولة يجب ألا يتم إلا بعد حوار موسع وصريح بين كل العراقيين. ذلك لأن المادة الرايعة من القانون إفترضت قبول العراقيين بنظام جمهوري فدرالي وهذا ليس بالضرورة ما قد إتفق عليه ، فهناك من يعتقد اليوم بأن الدولة يجب أن تكون وفق المادة الرابعة من القانون ومنهم من يعتقد أن الدولة يجب أن تكون ملكية تعيد ملك الهاشميين الذي سلب منهم صبيحة 14 تموز 1958, ومنهم من يعتقد أن الدولة يجب أن تكون إسلامية كاملة بتشريعها وسياستها. إن طبيعة الدولة يجب أن تكون فقرة اساس يستفتى الشعب عليها إذا لم يجر إتفاق سياسي عليها بين كل الأطراف المعنية. كما أن هدف خلق دولة ديموقراطية في العراق يتعارض من حيث المبدأ مع التقسيم الذي يراد له أن يقر على أسس عرقية وقومية. وقد يرد اصحاب الرأي الداعم لذلك بأن ذلك التقسيم هو دعم للديموقراطية كما هو الحال في ألمانيا الإتحادية ، لكن المعترضون يرون أن ألمانيا الإتحادية لم تقسم على اسس عرقية أو قومية وإنما على أساس الولايات وهم يشيرون إلى نجاح الدولة الواحدة في تجربتين ديموقراطيتين في كل من فرنسا وبريطانيا على سبيل المثال دون الحاجة لنظام إتحادي. عليه فإن السؤال الأول الذي يجب الإجابة عليه هو ما هو نوع الدولة التي يجنع أو يتفق العرقيون عليها؟
وحيث أن تحديد نوع الدولة يترتب عليه ما يلحق من تشريع فإن هذا السؤال يجب أن يحسم قبل الخوض في بقية الدستور. فهل يريد العراقيون عودة الملكية كما يقول السيد منذر الفضل أو يريدون دولة إسلامية موحدة كما ينقل عن السيد علي السستاني أو يريدون دولة جمهورية فدرالية كما يريد السيد جلال الطلباني أو يريدون جمهورية أقاليم كما ينقل عن السيد باقر ياسين. إن عدم إتفاق الأطراف السياسية والدينية المعنية في العراق على نوع الدولة قبل الشروع في صياعة الدستور قد يعني ضرورة إستفتاء الشعب على هذه المادة بشكل مستقل. فإذا عجزت الأطراف على الإتفاق فإن السؤال الدستوري الذي يجب أن يعرض على الشعب للإستفتاء هو ما هو نوع الدولة التي يريدها العراقيون ثم يحدد السؤال كل الخيارات أعلاه وتكون نتيجة الإستفتاء تلك قاعدة الشروع في صياغة بقية الدستور. إن عدم قيام إستفتاء كهذا لمادة بهذه الخطورة في مرحلة بناء دولة جديدة سوف يكون عملا لا يتفق مع مبادئ الديموقراطية التي يراد للعراق أن يتمتع بها.
مصدر التشريع
2. لقد نص (القانون) كما نصت دساتير فترة حكم البعث على أن الشعب مصدر السلطات. وإعتبر القانون الإسلام مصدرا للتشريع. ورغم أن العراق يكاد يكون مسلما بكليته إلا أن هناك ولا شك خلافا حول كون الإسلام أحد مصادر التشريع أو كونه مصدر التشريع. والخلاف هذا ليس في صياغة التعريف وإنما هو جوهري ويتعلق بمفهوم التشريع ومصدره والتعامل معه حين تتعرض القوانين الوضعية مع الشريعة. ولا بد من تحديد مواضع الخلاف ومن يقف مع ماذا. ذلك أن المرجعية الدينية الشيعية في العراق تجد الفرصة سانحة أمامها ولأول مرة في تأريخها في ولادة دولة عراقية تستهدي بفقه الإمام جعفر الصادق كما نشأ وتطور في العراق بشكل أساس. وقد تصرح المرجعية بأنها لن تشترك في السياسة لكنها في واقع الحال تحث من يقف معها على المطالبة بأن يكون مصدر التشريع في العراق مستندا إلى الإسلام حسب فهم الفقه الجعفري له. ولا يختلف أغلبية سنة العراق بما في ذلك فقائهم عن المطالبة بدولة إسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة. أي أن المرجعية الإسلامية في العراق بشيعتها وسنتها تريد دولة إسلامية. وحيث أن هذه المرجعيات لعبت دورا اساسا في الإنتخابات الأخيرة سواء في المشاركة أو المقاطعة فإن رأيها يجب أن يكون ذو أهمية متميزة. أما المعارضون لكون العراق دولة إسلامية فهم العلمانيون والذين لم يسجلوا أي رصيد في الإنتخابات الأخيرة مما يعني ضعف ثقلهم السياسي. لكن الجهة الحقيقية المعارضة لدولة إسلامية عراقية هي القيادة السياسية الكردية ، وأقول القيادة السياسية لأني لست على يقين أن هذا هو راي الشعب الكردي. إن القيادة الكردية ترى أن في قيام دولة إسلامية في العراق يعني نهاية المشروع الكردي لقيام دولة كردية والذي تعتقد تلك القيادة أن النظام الإتحادي في العراق سيكون ولادته.
وسوف يحدد الدستور ما هو السبيل للتعامل مع تشريع للشعب يمكن أن يتعارض مع الشريعة. وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى أن رجال الدين المسلمين سوف يجدون صعوبة في التعامل مع دستور يبيح للسطلة ، أية سلطة ، إصدار قوانين وضعية تتعارض مع شريعة السماء كما يرونها.
إن القرار بكون الإسلام دين ا