|
|
الدين يلبي طموحات الغالبية العظمى من الشعب |
|
إشراف مؤسسة المحقق للثقافة والإرشاد
الدين يلبي طموحات الغالبية
العظمى من الشعب
مستقبل العراق
دور الدين في بناء الدولة العراقية الجديدة
أ.سوسن إسماعيل العساف
دار العراق لدراسات المستقبل
إن أهمية الأشياء تقاس بمدى الحاجة إليها أو ضرورتها ، بحد ذاتها، أو ماتؤديه من
دور ، لذلك تختلف الأشياء من حيث أهميتها.
و الدين كظاهرة اجتماعية، قد يكون أقدم في إعطاء الشرعية للسلطة و ضرورة خضوع
الإفراد لها. و في الوقت ذاته ، يعد احد القوى الأساسية التي شكلت، على مدى
التاريخ، مركزا لنقد السلطة ، أو في أقصى الحالات تقويضها. وهو لم يلعب هذا الدور
بمعزل عن القوى الأخرى التي تبادل معها المواقع و الأدوار تاريخيا.
و هذا خلافا لوجهة النظر الماركسية في إن البنية التحتية تحدد البنية الفوقية التي
يشكل الدين احد ابرز ملامحها ، إذ ترافق تطور المجتمع الإنساني و انتقاله من مرحلة
إلى أخرى مع استمرار الظاهرة الدينية، و مازلنا نرى في عالمنا المعاصر كيف إن
دساتير بعض الدول تستمد أسسها، نظريا أو عمليا، من نصوص دينية علاوة على استمرار
لعب الأحزاب الدينية لأدوار مهمة في الحياة العامة و المجال السياسي.
إلا أن هنالك من يرى إن الظاهرة الدينية تشهد اليوم تراجعا و انحسارا في ميادين
وجودها في عمق الظاهرة الاجتماعية. و تناهى هذا التوجه إلى ان انتهى إلى علمنة
السياسة بفصلها عن الدين، و هو اتجاه وصل إلى حد التطرف في بعض الدول لدرجة إلغاء
الدين ودوره في المجتمع أيضا و فرض القيود على معتنقيه. وتبين لنا مسيرة التاريخ إن
هذه السياسة لم تجد نفعا ، ففصل الدين عن الدولة لايعني إن بمقدور هذه الدولة فصل
الدين عن المجتمع (وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في الجمهوريات الإسلامية في ما
كان يسمى الاتحاد السوفيتي).
وفي موضوعة إقرار الدين دستورياً، كونه المصدر الرئيسي للتشريع أو احد المصادر
التشريعية في الدول الإسلامية، فان هنالك دولا كالمملكة العربية السعودية و السودان
و جمهورية إيران الإسلامية عدت الدين الإسلامي مصدرا رئيسيا ووحيدا لتشريعاتها
القانونية.
فيما عدت دول عربية و إسلامية أخرى الدين الإسلامي دين الدولة، و قسما آخر منها
أضاف كونه الدين الإسلامي هو مصدر من مصادر التشريع، وهنالك قسما ثالثا أهمل مسألة
ذكر الدين وعده مصدرا من مصادر التشريع.
و توضح اثر العامل الديني ودوره في كينونة و مسيرة الشعب العراقي، في انتخابات 30
كانون الثاني/ يناير2005 ،حيث فاجأت نتائج هذه الانتخابات ،سواء على مستوى الجمعية
الوطنية أو على مستوى مجالس المحافظات، الكثيرين بفوز التيارات الدينية بأغلبية لا
يمكن التغاضي عنها (وتحديدا إن القائمة التي فازت-قائمة الائتلاف العراقي الموحد،
التي حظيت برعاية و مباركة المرجعية الأولى للطائفة الشيعية في العراق آيه الله
العظمى علي السيستاني)، و نكاد لا نغالي في الرأي حينما نقول انه لو تمت مشاركة
القوى الإسلامية السنية في الانتخابات لحازت هي الأخرى على نسبة عالية من التصويت
لايمكن تجاهلها.
وهذه الأمور مجملة طرحت على الساحة العراقية جملة تساؤلات من بينها دور الدين في
بناء الدولة العراقية الجديدة، حينما سيكون المرتكز و العمود الفقري في الدستور
والتشريعات القانونية، وإذا ما كان سيفرض نوعا من الحكم الثيوقراطي أو انه سيكون
أكثر تسييسا و انفتاحا في تطوير مستقبل العراق. خصوصا بعد انتهاء هذه المرحلة
الانتقالية. ليسمح بإقامة دولة علمانية عمادها فصل الدين عن الدولة و جعل ما لله
لله و ما لقيصر لقيصر!!
لعل المتتبع للتاريخ السياسي في العراق يجد اثر الدين و رجال الدين واضحا للعيان،
إذ بدأت تجربة التعاطي في الأمور السياسية تأخذ مدى متعاظم شيئا فشيئا مع الاعتراف
بعدم الحياد عن الثوابت الدينية في السياسة بتغليب جانب النفع العام. حيث تمتد
التجربة العراقية في التطرق لمسألة الدين دستوريا إلى تأريخ تأسيس الدولة العراقية
عام 1921، حيث كتب أول دستور للعراق عام 1925 و الذي احتوى في (م13) ما يقنن هذه
العلاقة بنصه ((الإسلام دين الدولة الرسمي وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق
على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس ، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد و حرية
القيام بشعائر القيادة وفقا لعاداتهم ما لم تكن مخلة بالأمن و النظام ومالم تناف
الآداب العامة)).
وإثر سقوط الملكية في العراق كان للحكومات المتعاقبة على العراق باعا طويلا في
كتابة الدستور و تقنين العلاقات بين الدين و الدولة ، فكتب دستور عام 1958 وعد
(الإسلام دين الدولة) وأعقبه دستور 1963 ودستور 1964 تم إيراد هذه العلاقات في (م3)
بنص يتضمن "إن الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها" ،كما أوردت (م22)
منه مانص على " حرية الأديان مصونة و تحمي الدولة حرية القيام بشعائرها على إن لا
يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب". ولم يختلف دستور عام 1970 عن ذلك حينما
ذكر في (م4) منه (الإسلام دين الدولة)، والحال تكرر في مشروع دستور 1990 حيث أورد
في (م5)" الإسلام دين الدولة الرسمي".
وهنالك الكثير من التشريعات في العراق و التي استندت في إحكامها على الجانب الديني
لا غير، و حظيت برضا وقبول المواطنين كتشريعات الأوقاف، على سبيل المثال لا الحصر،
وكذلك يمكننا الوقوف على العديد من التشريعات التي أخذت من الدين الكثير لإحكامها
كالقانون المدني المنظم للمعاملات المدنية من بيع و إيجار وكفالة وزواج.. وغيرها.
وحتى المرحلة الانتقالية الأولى بعد سقوط النظام السياسي العراقي ومن خلال قانون
إدارة الدولة نص على دور الدين ، دستوريا وقانونيا، في (م7) منه و التي تنص على انه
"الإسلام الدين الرسمي ويعد مصدرا للتشريع ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت
الإسلام المجتمع عليها، و يحترم الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي ويضمن كامل
الحقوق الدينية لجميع الإفراد في حرية العقيدة و الممارسة الدينية".
وهو بهذا النص اتخذ له مبدأ وسطا، ففي حين أعطى للدين مساحة أوسع نراه، في الوقت
ذاته، قد تماشى مع العلمانية المعتدلة بكفالة حرية المعتقد و الممارسة الدينية
للإفراد جميعهم. وعند قراءته بشكل تحليلي يتضح: أولا –الالتزام الدستوري بان دين
الدولة الرسمي هو الإسلام، وبذلك فانه لم يقر العلمانية، إلا انه في الوقت ذاته لم
يعتمد المذهبية كإيران و السعودية. و ثانيا- عد الدين الإسلامي مصدرا من مصادر
التشريع و ليس المصدر الوحيد الأمر الذي يرد لأول مرة في الدساتير العراقية (و
القول هنا في الدساتير علما انه- أي قانون إدارة الدولة - قانون لتمشية أوضاع
البلاد و لكن اعتمدت هذه الفقرة تحديدا من قبل لجنة كتابة الدستور لتكون احد الأسس
المعتمدة عليها في الدستور المرتقب).
و انطلاقا من تصاعد الأصوات المطالبة بعدم تغييب الدين الإسلامي عن حيثيات تشكيل
الحكومة و كتابة الدستور و انطلاقا من حقيقة إن الغالبية العظمى للشعب العراقي هي
غالبية مسلمة ، فعلى كل ذي بصيرة إن لايتجاهل دور الدين في مستقبل العراق إذ إن له
تأثيرا ودورا لا ينكران في تحريك الجماهير و تفعيل دورها،إلا إن الكثير من الجهات
سواء كانت من القوى العلمانية أو بعض دول الجوار و غيرها من الدول ، من يتخوف من
تكرار التجربة والنموذج الإيراني و الخشية من إن يكون العراق امتدادا لهذه التجربة
و نسخه من هذا النموذج ،لاسيما وان المتداول حاليا في الشارع العراقي فكرة قيام
لجنة صياغة الدستور باعتبار اللغة الفارسية من مكونات و متداولات المجتمع العراقي
وتثبيت ذلك في الدستور الدائم، وهنا يتبادر للذهن جملة تساؤلات عن ما المقصود من
وراء ذلك لاسيما وان ومنذ الآف و ليس مئات السنين لم يتم في تاريخ العراق و بشكل
مطلق، سواء القديم أو الحديث أو المعاصر ، إن برزت أو ظهرت على الساحة العراقية
اللغة الفارسية أو القومية و تحاور بها الإفراد وأصبحت شيء متبع في البلاد؟ فهل هذا
من قبيل الأشياء التي جاءت مع متغيرات الساحة السياسية العراقية؟ وجلبتها لنا قوات
الاحتلال (المهم تحررنا) لتكن هدية للشعب العراقي؟ وهنالك سؤال أهم من كل هذه
الأسئلة هل اللغة العربية أو القومية العربية يمكن أن تتداول حتى ولو بشكل بسيط على
الألسنة الفارسية أم هنالك منع شامل ووئد لهذا الأمر؟؟
إن على لجنة كتابة و صياغة الدستور وقبل أن تعرض مشروع دستورها على الاستفتاء
العام، أن تعيد النظر بالأمور التي هي محط نقاش و جدل وتعيد تطورات العملية
السياسية العراقية إلى الخلف ،و الوقت ليس من صالح الجميع. فالعراق يجب ان يكون
النموذج الذي يحتذي به الآخرون و ليس سيحتذي بأي نموذج آخر، فالشعب العراقي يمتلك
مميزات تختلف عن جميع الشعوب الأخرى بالقيم و العادات و التقاليد و الحضارات و
الأصالة ، علاوة على المميزات الإستراتيجية و الاقتصادية التي كانت العامل الأول في
وضع العراق تحت المجهر الأمريكي، لذلك لن يصلح إن يكون نظاما يفرض على الشعب
العراقي و إنما لابد إن يكون نموذجا لمنطقة الشرق الأوسط جميعها.
وعليه ليس بالمقدور القول بوجوب إبعاد الدين وعدم خلطه بمفاهيم أخرى تبرز لصالح أو
لطالح الدين، و يجب عدم الإشارة إلى ذلك في الدستور فيما يخص التشريع ، فعمق
التأثير الديني يجب ألا يخضع للمزايدة ، و إيمان التيار الديني في العراق قائم على
الديمقراطية و ضرورة تفهم الأطراف بعضها لبعض بما يضمن مشاركة فعالة للجميع ، في ظل
حقيقة أساسية تؤكد إن الدين يؤثر في السلوك السياسي للعديد من النظم السياسية في
العالم ،فقد لعب الدين و مازال يلعب دورا في توجهات السلطة السياسية الأمريكية من
خلال الدور الذي تمارسه بعض الهيئات الدينية، بالإضافة إلى كون معظم رؤساء الولايات
المتحدة ينحدرون من أصول بروتستانتية متدنية، ولا يفوتنا في هذا المجال أن نذكر
إسرائيل كنظام سياسي قائم على رؤية دينية و تلعب القوى و الأحزاب الدينية دورا يكاد
يكون طاغيا.
فلماذا أصبح الإسلام اليوم تهمة يحاول الكثيرون ردها بالابتعاد عن القيم السامية
للدين الإسلامي و إظهار مساوئ التطبيق و سوء الإدارة الفردية البعيدة عن الجماهير
،فنحن شعباً مسلم الغالبية، يحترم الأقليات الدينية الأخرى و نقر لها حقها في
ممارسة طقوسها و احترام حريتها في هذا المجال !
و لماذا يستغل آخرون الدين الإسلامي و يحاولون توجيهه وفق ما يتلاءم و معطيات
آفاقهم و متطلباتهم السياسية ؟ فما الضرر من أن نطبق ديننا في تسيير حياتنا
الأساسية ووفق الخصوصية العراقية التي ترى في دينها الإسلامي أسمى المصادر الشرعية
وهو بنفس الوقت يخدم التوجهات العلمانية حينما يحترم حقوق الآخرين و حرياتهم
الأساسية لأنه أساس تقنين إعطاء الحقوق و تحصيل الواجبات، كما يلبي طموحات الغالبية
العظمى من الشعب و ينظم أمور حياتهم وفق شريعتهم و مبادئها، مع الانتباه و التركيز
إن هذا الاتجاه ذات خصوصية و تكوينات المجتمع العراقي ولايمت بأية صلة لتجارب أخرى
، فالعراقيون قادرون على صنع النموذج المقتدى به، ومن لايستطيع إجراء ذلك فليبتعد
عن الساحة السياسية العراقية ويدّعها للقادرين عليها.
وتسليما بكل مجريات المشهد العراقي الذي لايزال ومنذ الثلاثين من كانون الثاني /
يناير 2005 يعاني من عدم الثبات و الاستقرار على الصعيدين الداخلي و الخارجي، و
ستشتد الأزمات وسيبرز التنافر و التقاطع و التناحر وأحيانا التعاون في ظل تحقيق بعض
المصالح الشخصية (مقتضيات الضرورة)، ولكن و بكل الأحوال ستشهد الساحة العراقية
السياسية تحديدا في مرحلتها القادمة غربلة و توضيحا قاطعا بين أصحاب النظرة
البراغماتية - المصلحية و توجيهاتهم التي لاتخدم البلد وإنما تخدم مصالحها فقط - و
بين أصحاب عمق النظرة الإستراتيجية الثلاثية لإعادة هذا البلد الجريح القائم على
الوحدة الوطنية ، الهوية العراقية الموحدة، الديمقراطية والله الموفق.