أفكار و آراء
إشراف مؤسسة المحقق للثقافة والإرشاد
خطوة أولية نحو فهم الدستور
الأستاذ : محمد عبد المهدي
مع طي صفحة النظام العراقي السابق، على جميع الأصعدة، والتسليم بالإجماع على زوال تلك الحقبة وبزوغ ضوء جديد في تأريخ العراق الحديث، فقد صار لزاماً مواكبة الملامح العديدة، والمشكّّلة لصورة المستقبل القادم للعراق.
الزوايا التي يمكن النظر إليها تجاه الواقع العراقي الراهن عديدة، ومن العسير تقديم أحدها على الأخريات دون إمعان في الأسباب والمبررات، بيد أن الجميع يتفقون على أهمية الجانب الفكري والثقافي في بناء الفرد والمجتمع العراقي، بعد أن علاهما التآكل والتصدّع من جرّاء العقود الظلامية السابقة.
النظرة الواقعية و(العملية) إن جاز التعبير، نحو الوضع العام للداخل العراقي يدعو إلى تكثيف الجهود واجتماعها حول مائدة العمل المشترك، للخروج من هذه المساحة المتقهقرة، بالقياس حتى مع الدول الصغيرة النامية، والاتجاه نحو مسار التنمية والتطور الثقافي والتقني...
وإذا كان المفكرون والمثقفون وغيرهم يسلمون بصعوبة حصر وتعداد المشاكل والعراقيل التي يعاني منها الجانب الثقافي مثلاً في العراق اليوم، فإن من غير المنطقي تسليط الضوء عليها ولو بإيجاز في بضعة صفحات ليس إلا...
غير أنه من المفيد القول بأن خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، هي أكثر معقولية من انتظار عصا سحرية تعيننا على تغيير سلبيات هذا الواقع وذاك.
المشاهدات الأولية بهذا الخصوص تحيلنا إلى مسألة في غاية الأهمية من جهة استباقها لأغلب القضايا الفكرية والثقافية، ألا وهي (المصطلحات المتداولة)، تعريفها ومفهومها ودلالتها الحقيقية، بعيداً عن التشويش أو اللبس أو أي تراكمات آلت من تأثيرات المرحلة الفائتة.
وهنا لابد من الوقوف عند ملاحظتين مهمتين في هذه المسألة:
الأولى- إن الجدل ليس في معرفة المصطلح أو حتى دراسته، بل في عمق تلك المعرفة أو الدراسة، والمنطلق المنهجي الذي اتبع لفهم واستيعاب مصطلح ما. خصوصاً وأننا نرى بما لا يقبل الشك تفاوتاً واضحاً في تقويم وعرض العديد من المفاهيم الفكرية والسياسية والاقتصادية السائدة في دائرة الأحداث على الساحة الدولية، ومردّ ذلك التفاوت إلى الاختلاف الإيديولوجي والعقائدي والتلون في التيارات الفكرية الموجِّهة للمجتمعات والأمم.
الثانية- هناك ضرورة مُلحّة في تقديم مصطلح على آخر، لأهميته على الساحة المحلية أو الدولية أكثر من سواه. فالدستور والانتخابات والديمقراطية أشد أولوية اليوم في المشهد العراقي، من العولمة أو اتفاقية (الغات) على سبيل المثال.
ومع ذلك، فإن الأولوية الآنفة لا تلغي، بلا شك، استعراض المصطلحات والمفاهيم المتداولة في عالمنا اليوم، مادامت تلامس قضايانا الفكرية والثقافية.
الدستور..
كان من المتوقع تصدّر قضية وضع الدستور وسن القوانين والتشريعات، في بلد خرج للتو من منطقة فراغ دستوري استمرت لعقود، حيث يومئ المشهد السياسي العراقي اليوم، إلى حقيقة ما جرى بالأمس، والحال قريب من نقطة الصفر لأي مراقب يختزل تاريخ العراق ببضعة عقود أو حتى قرون سابقة، إلا أنّ مكمن الغرابة هو أن الجدال والنقاش يدور في بلد المسلّة التشريعية، الأشهر من أن تُعرَّف عالميا...
وفي خضم التناوشات الأولية والتجاذب القانوني وحتى السياسي والديني حول قضية الدستور العراقي، لابد أولاً من معرفة الجوانب المتعلقة بالقضية، قبل التمادي في تحليل وتقويم ما يجري من سجالات داخلية 0
- 1 -
last update: 14- 4 - 2003