أفكار و آراء
إشراف مؤسسة المحقق للثقافة والإرشاد
هل سيكون الدستور العراقي ، مفصلا تاريخيا جديدا للإنسانية
الأستاذ : صلاح التكمه جي
مرت البشرية طيلة وجودها بمخاضات عديدة ، من اجل تنظيم عقد اجتماعي لها ؛ بحيث يجعلها تعيش في أمن واستقرار وسلام ؛ و كلما خرجت البشرية من صراع جديد ، ظهرت تشريعات جديدة تقر الإنسانية برؤيتها .
فكانت مدينة باب الله (بابل) أول من أعطت للبشرية عقدا اجتماعيا ينظم العلاقات بين الناس ، وكانت آثار اله الشمس قد أظهرت أهم قوانين الحكيم حمورابي ، والتي من أهمها قانون ( العين بالعين والسن بالسن) ، وقد ظلت الإنسانية تتداول هذا التشريع لعهود طويلة ؛ آنذاك .قبل 4000 سنة(2061- 2043 ق . م )نظم الحكيم العراقي ( حمورابي) ،السلطات والتشريعات التي تتعلق بالمعاملات والعقود بين الأفراد ، والجرائم الواقعة على الأشخاص و الأموال ، ومن ثم جرد الحكيم حمورابي الصلاحيات من الكهنة بعد أن كانت جميع السلطات بيدهم وجعلها بيد أهل الاختصاص وذوي الكفاءة .
وبعد 1000 سنة من حكم العادل حمورابي ،تعرفت الإنسانية على عقد اجتماعي جديد ، ألا وهو ( حكم الشعب ) ، وتعلمت البشرية لأول مره في عمرها معنى الديمقراطية والاستقلال والحكم الذاتي ، بعد أن كانت حكما ملكيا كهنوتيا يستمد سلطاته من زايوس(اله اليونانيين) ، لم تذق وتستثمر الإنسانية حلاوة تلك الممارسة لفترة طويلة ، فسرعان ما عاد حكم القياصرة والملوك والكهنة واستفحل الظلم بالبشرية ، ولكن السماء كانت ترفد بين الحين والآخر نماذج إنسانية راقية تحاول أن تجعل منها نور تهدي بها البشرية لتنظم أمرها في أمور دنياها وأخرتها ..
وبعد صراع للبشرية بين الخير والشر استمر ما يقارب 1600 عاما من التجربة اليونانية وذلك تقريبا في عام 600 م ، أرسلت السماء أجمل هدية لمخلوقها العظيم الإنسان ، هدية لطالما بشّر بها الأنبياء والحكماء والصالحين ؛ ألا وهي انبعاث سيد البشر وصفوة الخلقّ محمد(ص)، صاحب الخلق العظيم والرحمة الواسعة ،التي أرادتها السماء أن تكون تلك الرسالة رحمة للعالمين جميعا، سواء صالحها كان أم طالحها ، أخيارا أم أشرارا ؛ وقرنت مع أخلاق الرسول ورحمته العظيمة ، كتاب نور وهدى ، وكان من المفروض أن يصاحب هذا الكتاب(القران) ،خلق رفيع وروح إنسانية عالية ، ليخرج من الاثنين مبادئ وتشريعات تساعد الإنسانية على تنظيم أمورها وتنشأ لها دستور دولة، حلم بها أفلاطون بجمهوريته المثالية وكذلك حلم بها كل إنسان استحكمت به نوازع الخير ، ألا أن حكما قيصريا عضوض، استفحل بالإنسانية مرة ثانية ، وفرغ هدية السماء من مضمونها. ولكن مع هذا كانت تظهر بين الحين والأخر عقودا اجتماعية، لنخبة ضلت تحمل هم رسالة السماء بين ثناياها ، فبرزت رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (ع) وعهد الأمام علي(ع) لمالك الاشتر حين ولاه حكم مصر ، وكانت هذه الوثيقة عقدا اجتماعيا فريدا حاولت أن تنظم العلاقة بين كل طبقات المجتمع دون استثناء ؛ ولا غرابه أن نسمع ونقرأ باعتماد عهد الأمام علي(ع) لمالك الاشتر كوثيقة قانونيه رسمية في الدوائر الثقافية لهيئة الأمم المتحدة ، ولكن مع هذا بقت تلك الوثائق في بواطن الكتب ، لم تحول إلى دستور مكتوب تتنعم بها الإنسانية دون استثناء.
وشهدت الإنسانية أول دستور رسمي مكتوب لها في القرن الحديث و ذلك في سنه 1787بولاية فلاديلفيا بأمريكا ، وكان هذا الدستور حصيلة كفاح مرير، للأقوام التي هاجرت إلى القارة الأمريكية ضد المستعمر البريطاني ، وكذلك لحرب أهلية عصفت في القارة لسنين عديدة ، لم تنتهي تلك الحروب ألا بعقد اجتماعي تم تدوينه لأول مرة في تاريخ البشرية ، كوثيقة دستورية تكون مرجعا لتنظيم أمور المجتمع والدولة في النظام الفيدرالي الأمريكي ، واستفيد في صياغة الدستور الأمريكي من تجارب المفكرين القانونين الأوربيين والفلاسفة الغربيين في القرون الوسطى ، ويقول في هذا السياق، المفكر الأمريكي لاروش( الأهمية الاستثنائية تاريخيا للثورة الأمريكية والدستور الفدرالي الأمريكي في حقيقة أن أفكار الثورة الأمريكية بالرغم من أنها كانت من منتجات التراث الأوربي لعصر نهضة القرن الخامس عشر، إلا أن أمريكا الشمالية وفرت انفصالا ومسافة جغرافية استراتيجية عن أوروبا التي كان يحكمها تحالف الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية مالكة الأرض والطبقة الأوليجاركية المالية الإقطاعية الذي يمثل تحالف كاستلريا-ميتيرنيش في مؤتمر فيينا عام 1815 نموذجا له. لذلك كانت المستعمرات الانجليزية في شمال أوربا تمثل حلما للقوى التي كانت تنشد الحرية من هذا النظام الإقطاعي الأوليجاركي وتأسيس جمهورية دستورية مستقلة في مكان بعيد عن أوربا. لهذا، ظهرت الدول القومية الأوربية الحديثة باعتبارها أشباه جمهوريات وإصلاحات برلمانية في أمم لا تزال تحكمها من القمة نفس المصالح المالية الأوليجاركية مثل بريطانيا على سبيل المثال. خلاف ذلك ظهرت
- 1 -
last update: 14- 4 - 2003